الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

63

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

المن » ، فقيل : من المن الذي أنزل اللّه على بني إسرائيل ، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا ، ومنه الترنجبيل فكأنه يشبه الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج . وقال الخطابي : ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل اللّه على بني إسرائيل ، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر ، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقى ، وإنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لأنها من الحلال المحض ، الذي ليس في اكتسابه شبهة ، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر . وقال ابن الجوزي : في المراد بكونها شفاء للعين قولان : أحدهما : أنه ماؤها حقيقة إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنها لا تستعمل صرفا في العين ، لكن اختلفوا كيف يصنع بها على رأيين : أحدهما أن يختلط في الأدوية التي يكتحل بها ، حكاه أبو عبيد ، ثانيهما : أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلى ماؤها ثم يؤخذ الميل « 1 » فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر ، فيكتحل بمائها ، لأن النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه ، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع . وقال آخر : تجعل الكمأة في قدر جديدة ويصب عليها الماء ، ولا يطرح فيها ملح ، ثم يؤخذ غطاء جديد نقى فيجعل على القدر ، فما جرى على الغطاء من بخار الكمأة فذلك الماء الذي يكتحل به . وقال ابن واقد : إن ماء الكمأة إذا عصر وربى به الإثمد كان ذلك من أصلح الأشياء للعين إذا اكتحل به يقوى أجفانها ، ويزيد الروح الباصرة قوة وحدة ، ويدفع عنها نزول النوازل . وقال أيضا : إذا اكتحل بماء الكمأة وحده بميل من ذهب تبين للفاعل لذلك قوة عجيبة وحدة في البصر كثيرة . وقال ابن القيم : اعترف فضلاء الأطباء أن ماء الكمأة يجلو العين ، منهم المسيحي وابن سينا وغيرهما ، قال : والذي يزيل الإشكالات عن هذا

--> ( 1 ) الميل : العود الذي يكتحل به .